محمد بن محمد ابو شهبة
156
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
عثور عبد المطلب على زمزم فلما بيّن له شأنها ، ودلّ على موضعها ، خرج بمعوله ، ومعه ابنه الحارث ، وليس له ولد غيره يومئذ ، فحفر فيها ، فلما بدا لعبد المطلب الطي « 1 » كبّر ، فعرفت قريش أنه قد أدرك حاجته ، فقاموا إليه ، فقالوا : يا عبد المطلب إنها بئر أبينا إسماعيل ، وإن لنا فيها لحقا ، فأشركنا معك فيها ، قال : ما أنا بفاعل ! ! إن هذا الأمر قد خصصت به دونكم ، قالوا : فأنصفنا فإنا غير تاركيك حتى نخاصمك فيها ، قال : فاجعلوا بيني وبينكم من شئتم أحاكمكم إليه ، قالوا : كاهنة بني سعد هذيم ، قال : نعم وكانت بأشراف الشام ، فركب عبد المطلب ومعه نفر من بني عبد مناف ، وركب من كل قبيلة من قريش نفر ، والأرض إذ ذاك مفاوز ، فخرجوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق فني ماء عبد المطلب وأصحابه حتى كادت أعناقهم تنقطع من العطش ، وضن عليهم بنو قومهم من قريش بالماء ، وقالوا : إنا بمفاوز وإنا لنخشى على أنفسنا مثل ما أصابكم ، فرأى عبد المطلب أن يحفر كل واحد لنفسه قبره ، ففعلوا ، ثم قعدوا ينتظرون الموت عطشى . ثم بدا لعبد المطلب ، فقال لأصحابه : واللّه إن إلقاءنا بأيدينا هكذا للموت لا نضرب في الأرض ولا نبتغي لأنفسنا الماء لعجز ، فعسى أن يرزقنا اللّه ماء ببعض البلاد فارتحلوا ، حتى إذا بعث عبد المطلب راحلته انفجرت عين ماء عذب من تحت خفّها ، فكبّر عبد المطّلب ، وكبّر أصحابه ، ثم نزل فشرب وشربوا ، وملأوا أسقيتهم ، ثم دعا قريشا ، فقال : هلمّوا إلى الماء فقد سقانا اللّه ، فجاؤوا ، وشربوا ، واستقوا ثم قالوا : قد - واللّه - قضي لك علينا يا عبد المطلب ، واللّه لا نخاصمك في زمزم أبدا ، إن الذي سقاك الماء بهذه الفلاة
--> - وهي لا تحرث ، ولا تزرع ، وقرية النمل لا تحرث ، ولا تبذر ، وتجلب الحبوب إلى قريتها من كل جانب » ، قال الزرقاني في « شرح المواهب » : « وأطال : يعني الإمام السهيلي في الروض في وجه تأويل هذه الرؤيا بما يحسن كتبه بالعسجد » . ( شرح المواهب ، ج 1 ص 112 ) . ( 1 ) الحجارة التي غطي بها البئر .